المنجي بوسنينة

125

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

على الحجاج ، ورجع لمقاتلته . ويبدو أن سعيدا لم يكن راضيا عن سياسة الأمويين وممثلهم الحجاج في العراق ، فانتهز الفرصة وأيّد هذه الحركة ، مع كثير من القراء والزهاد والفقهاء وكان رأي سعيد أنه لا بد من مقاتلة الحجاج وجيشه « لجورهم في الحكم وخروجهم عن الدين وتجبرهم على عباد اللّه وإماتتهم الصلاة واستذلالهم المسلمين » [ الطبري ، تاريخ ، 2 / 1082 ] . ولما انهزم ابن الأشعث وأصحابه في معركة دير الجماجم سنة 82 ه / 701 م ، هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان ، حيث بقي فيها نحو سنتين ، ثم انتقل إلى أماكن أخرى مثل أذربيجان ، وقزوين ، وفارس ، وذلك نتيجة ملاحقة الحجاج له ، ثم عاد إلى العراق فسكن قرية تدعى سنبلان واستقر أخيرا في مكة ، إلى أن وشي به إلى عاملها خالد بن عبد اللّه القسري ، فألقى القبض عليه وأرسله إلى الحجاج في العراق . وتسهب الروايات في وصف ما دار بين الحجاج وسعيد بن جبير أثناء اللقاء ، وعتاب الأول له على عصيانه ونكثه بيعة الخليفة عبد الملك بن مروان . ويبدو أن سعيدا لم يكن مستعدا للتنازل أو الاعتذار عما فعل ، أو لتبرير موقفه ، الأمر الذي أغضب الحجاج فأمر بقتله [ الطبري ، تاريخ ، 2 / 1261 - 1264 ] . وهكذا انتهت حياة هذا العالم الكبير ، نتيجة اشتراكه في تلك الفتنة . وقد اختلفت ردود أفعال بعض علماء المسلمين بشأن موقفه من الحجاج وهروبه منه حيث انتقده محمّد بن سيرين ، والحسن البصري [ ابن سعد ، الطبقات ، 6 / 264 ، 266 ] ، في حين نال إعجاب الآخرين من أمثال أحمد بن حنبل الذي قال : « قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا هو مفتقر إلى علمه » [ ابن خلكان ، وفيات ، 2 / 374 ] . ومهما يكن الرأي من الموقف السياسي لسعيد بن جبير ، فلا لأحد أن ينكر ما تمتعت به شخصيته من علم وفهم ، ولا عجب أنه لقب بجهبذ العلماء . وكان سعيد حريصا أشد الحرص على نشر علمه ، ويقال إنه حزن جدا عندما كان في فارس وأصبهان من عدم إقبال الناس على سؤاله وطلب علمه ، وكان يقول : « لأن أنشر علمي أحبّ إليّ من أن أذهب به إلى قبري » [ الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، 4 / 326 ] . كانت أكثر روايات سعيد عن ابن عباس ، وقد حدّث بأذنه ، وذلك بعد تردد منه ، وكان سعيد يكثر من طرح المسائل على ابن عباس ، ويكتب عنه إضافة إلى ما يحفظه . « وكتبت في كفيّ ، وربما أتيته فلم أكتب حديثا حتى أرجع ، لا يسأله أحد عن شيء » [ ابن سعد ، الطبقات ، 6 / 257 ] . ويبدو أنه أخذ يكتب عنه بعد إصابة ابن عباس بفقد البصر ، لأن الأخير كان يكره أن يكتب عنه لا سيما في الفتيا ، فلما فقد بصره ، استطاع ابن جبير أن يكتب دون أن يراه . ونتيجة لكثرة اتصال سعيد بعبد اللّه بن عباس ، وأخذه عنه ، فقد نصحه بالاستفادة من علمه ، واستخدامه بشكل جيد قائلا : « انظر كيف تحدّث عني ، فإنك قد حفظت عني حديثا كثيرا » . ولكنّه كان في الوقت نفسه مطمئنا إلى قابليات سعيد وإمكاناته في مجال الحديث والتفسير ، فقيل إنه كان إذا جاء أحد